هل تعالج البنوك التشاركية جشع الرأسمالية؟
عبد الحليم زوبير
هذا سؤال من جملة الأسئلة الطافحة على لجج الآمال التي تعلقها طائفة من الناس على تجربة المصارف الإسلامية. ولكي نقترب من جواب ملائم لهذا السؤال نطرح معه أسئلة أخرى.. منها: هل تمكنت التجارب السابقة للمعاملات المصرفية الإسلامية في دول أخرى قبلنا من تقريب الهوة الاقتصادية بين المواطنين؟ وهل تمكنت من الدفع بعجلة الاقتصاد الوطني إلى الأمام؟ هل حققت طفرة في العدالة الاجتماعية في الدول التي طبقت هذه المعاملات منذ عقود؟ والحقيقة التي لا تخطئها العين هي أن تجربة المصارف الإسلامية لم تكن في نتائجها على شكل واحد.. بل تفاوتت التجارب ما بين تلك التي حققت لدولها طفرة اقتصادية متميزة ماليزيا نموذجا. وأخرى لم تراوح مكانها. فيما فشل بعضعها فشلا ذريعا في مجرد الاستمرار كمؤسسة اقتصادية فضلا عن التأثير الايجابي الذي يشعر المواطن بالأمن على مدخراته واستثماراته وآفاق تكافؤ الفرص في الشغل والعيش الكريم.. إن هذا التفاوت لا يعود إلى اختلاف المذاهب الإسلامية. ولا إلى الخيارات الففهية لتلك المؤسسات فيما نعلم. وإنما يتعلق بالبيئة العامة التي تتنزل فيها المعاملات المصرفية الإسلامية. وهذا يعني بكل وضوح أن المطابقة الشرعية للعقود المالية لا يحل كل الإشكال الاقتصادي. لأنه بكل في الواقع ليس إلا وجها واحدا من أوجه التعامل المالي وفق الشريعة الإسلامية.
إن هناك أبعادا مغيبة في الحديث الذي يصاحب تنزيل المصارف الإسلامية ، وأود الإشارة إلى جانبين أراهما من الأهمية بمكان:
الأول: الأبعاد القيمية للتعامل الإسلامي مع المال. فكل العقود المالية بالإضافة إلى ما تقرره القواعد الشرعية من تملك السلعة قبل بيعها، ومنع الزيادة في الدين مقابل الأجل، وتقرير الربح مقابل العمل، وغيرها.. تحمل في طياتها دعوة إلى التضامن والتراحم وإخضاع المال لمقتضيات الأخوة الإيمانية التي تجمع بين المتعاقدين: فمنعت سوم المؤمن على سوم أخيه، وأوجبت على المتبايعين الصدق والبيان مقال البركة. ومنعت غبن المسترسل -وهو من لا خبرة له بالبيع والشراء-. والغش
والاحتكار.. فأول الواجبات في تخليق البيئة التي تشتغل بها المصارف الإسلامية هو إصدار معايير أخلاقية مبسطة يطلع عليها العملاء تكون بمثابة ميثاق شرف بين المصارف وعملائها. ويستحضران مقتضياتها عند التعاقد. ومن الأهمية القصوى أن تكتب بعض هذه القواعد بخط عريض يعلق على جدران المؤسسة يراها الداخل أول ما يرى ليحس أنه في مؤسسة ترعى القيم في طريق البحث عن الربح. وبدون هذه القيم ستستغل تجربة الأبناك التشاركية استغلالا بشعا يزداد بها الغني غنى والفقير فقرا. ويتحول مسمى الأبناك الإسلامية إلى مؤشر العنت والحرج والفشل نسأل الله العافية. كما فعل الفهم التجزيئي في العقيدة والفقه.
الثاني: توسيع فرص الاستثمار في المالية التشاركية وإخراج التجربة من دائرة النفوذ الرأسمالي الكبير عبر إطلاق صيغ أخرى اجتماعية تلائم رؤوس الأموال الصغيرة والمتوسطة كمؤسسات الزكاة والحج ومؤسسات التمويل الصغير.. micro finance)).كل هذا يمكن أن يقلل من واقع التردي والبؤس الاقتصادي والاجتماعي في انتظار أن تنصلح الجوانب الأخرى من كيان الأمة فنشهد طفرة أخلاقية وسياسية وقضائية وإعلامية على غرار الطفرة التي حققتها الأبناك التشاركية مؤخرا.
عدا هذا فلن يكون بمقدور المصارف الإسلامية مهما أتقن أصحابها تنزيلها. أن تعالج جميع المشاكل التي تتخبط فيها الأمة. أو تلبي كل الطموحات والآمال التي تعلقها فئات عريضة من أبناء هذا الوطن.






0 التعليقات:
إرسال تعليق