خطبة اليوم بعنوان: "ترك الفضول"
بسم الله
الرحمن الرحيم
"ترك
الفضول"
-قال تعالى: "يا أيها الذين
آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد
لكم عفا الله عنها والله غفور حليم، قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها
كافرين"[1].
-عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"[2].
لقد
خلق الله الإنسان لأمرين كبيرين: الأول غاية والثاني وسيلة:
-أما الغاية
فقد أخبر بها القرآن الكريم في قوله سبحانه: "وما خلقت الجن والإنس إلا
ليعبدون"[3].
فوجود الإنسان كان من أن يكون عبدا طائعا لله.
-وأما
الوسيلة فهي عمارة الأرض والاستخلاف فيها: ومهمات العمارة تساعد الإنسان على
الوصول للغاية في أحسن الظروف، فقال سبحانه: هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم
فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب[4]
فالإنسان في الحياة يقوم إما بمهمة التعبد وإما بهمة الإعمار، وأي عمل لا يتقرب به
إلى الله ولا يعمر به الأرض بالخير، فهو من العبث، والله تعالى بعدله وإنصافه، قد
حد لعمل الإنسان حدين:
-الأول:
أنه لا يكلفه بما ليس في وسعه، فليس مطلوبا منه أن يأتي بكل العبادات في وقت واحد
وإنما يفعل من ذلك بقدر وسعه واستطاعته، قال تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم[5].
-الثاني:
أن تلك الأوامر ليست عبثا، بل يتبعها حساب بقدر الإنجاز والتفريط. قال تعالى:
أفحسبتم أنما خلقنكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون[6].
فالعاقل يقارن بين ما يملك من وقت
وجهد وما يلزمه من عبادة وعمارة، فيأخذ من العبادة ما يناسب وقته وجهده، ويأخذ من
أعمال العمارة ما يعينه على العبادة والتقرب إلى الله.
فتفرغ
المؤمن للعبادة وترك مهمات الإعمار والاستخلاف انحراف.
وتفرغه
للدنيا ونسيان الآخرة ضلال.
والمبالغة
في أحدهما فوق الاستطاعة عذاب.
هذه المهام أيها السادة مسقوفة
مظروفة محدودة، والسقف الذي تنتهي فيه مدة الإنجاز لا يعلمه أحد إلا الله. ولكن ما
نعلمه أن العمر أقصر من الواجبات فضلا عن المندوبات والمباحات والشهوات والمعاصي.
إن العمر لن يتسع إلا لما خلق له، وهو مخلوق لبعض الطاعات وبعض مهمات الاستخلاف.
الوسيلة:
إذا أردنا إنجاز هذه المهمات فينبغي لنا أن نتفقد أربع قوى، ونستعملها
استعمالا رشيدا لا غلو فيه ولا تفريط:
1-
قوة الروح:
وهي الطاقة التي ترينا الكون على
حقيقته، وتجعل الآخرة أمام أعيننا صدقا حقا. وتجعلنا نحس بقوة الله وجلاله وقدرته
في كل شيء، حتى لا نكاد نرى في الوجود إلا الله. وهذه الحقيقة يمكن أن تستولي على
الناس بدرجات متفاوتة. وبعض الناس تشغله عن مهام الاستخلاف كلية، ولكن لا ننسى أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقى الناس وأعلمهم بالله، ولكنه كان يقوم وينام
ويصوم ويفطر ويتزوج ويأكل الطعام ويمشي في الأسواق. بمعنى أنه كان لا يترك مهام
الاستخلاف وإعمار الأرض، فينبغي أن تستعمل قوة الروح في حدودها كما حددها رسول
الله صلى الله عليه وسلم. ومن مظاهر الفضول في عمل الروح:
أ-بعض الشباب يتحمس للدين فينسى
مهماته الاستخلافية في تأسيس أسرة، وكسب قوت اليوم، وتطوير مهاراته فيما ينفعه في
دنياه ولا يضره في دينه. ففي حديث أنس قال: كنا مع رسول الله صلى اله عليه وسلم في
سفر فمنا الصائم ومنا المفطر قال فنزلنا منزلا في يوم حار، أكثرنا ظلا صاحب
الكساء، ومنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوام فقام المفطرون، فضربوا الأبنية
وسقوا الركاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب المفطرون بالأجر.[7] وذكر هذه القصة ابن
الحاج في
المدخل فقال: روي
أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ رأى ثلاثة نفر في المسجد منقطعين للعبادة فسأل
أحدهم من أين تأكل؟ فقال: أنا عبد الله، وهو يأتيني برزقي كيف شاء، فتركه ومضى إلى
الثاني فسأله مثل ذلك فأخبره أن له أخا يحتطب في الجبل فيبيع ما يحتطبه فيأكل منه
ويأتيه بكفايته، فقال له: أخوك أعبد منك ثم أتى الثالث فسأله فقال له: إن الناس
يروني فيأتوني بكفايتي فضربه بالدرة وقال له اخرج إلى السوق. أو كما قال. والله
أعلم
ب-الإكثار من الحج والعمرة فينفق
من المال ما يحتاج إليه الناس هنا لتوفير ضرورات العيش من أكل وشرب ودواء ولوازم
الماء والكهرباء والكراء وتعليم الأبناء. مع أن حجة واحدة تفي بالغرض. وعمرة أو
عمرتين حسب الأحوال تفي بالغرض من هذه العبادة.
ج-بعض الصالحين يجهد نفسه في حفظ
الكثير من الأدعية التي تصله عن بعض المشايخ: ولا يكلف نفسه حفظ القرآن، ولا حفظ
الحديث والأذكار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2-
قوة العقل:
وهي القوة التي نفقه بها مهام
العبادة والاستخلاف. فالعلم ينير طريق الدنيا والآخرة، ولكن قوة العلم ينبغي أن
تضبط بضابطين:
أ-
توفر الوقت اللازم. حتى لا تضيع بسببه حقوق أخرى هي أولى
منه.
ب-
أن يكون خادما لغاية التعبد، فلا يجر صاحبه إلى الإلحاد
في دين الله، أو إلى سب أو شتم أو تشهير بأحد
من الخلق.
فإذا تعلم الشاب شيئا من العلم
فينبغي أن يزداد به حكمة وكمالا ورجولة وصبرا، ولا يحوله العلم إلى فاجر في
الخصومة يتتبع عورات الناس ويشهر بالعلماء وعامة أمة الإسلام. فإن سب فقد فسق،
لقوله صلى الله عليه وسلم: سباب المسلم فسوق[8].
والعلم الذي يجعلني فاسقا لا خير فيه.
3-
قوة المال:
هو الوسيلة التي يبحث عنها الأخيار
والأشرار على حد سواء، لأنه لازم لنصرة الحق ولنشر الباطل، فالمؤمن يطلب المال
ليعف نفسه ويعيل أهله وينشر الخير في أمة رسول الله صلى الله عليه. وفي الحديث:
"نعم المال الصالح للرجل الصالح"[9]. ولكن
لا ينبغي أن يغرق الإنسان في طلب المال حتى لا يكاد يحس بأهدافه من جمع المال. فمن
كثر ماله فعليه أن يشرك معه غيره ويفوضه بعض أعماله، فيحسن إلى نفسه بالتخفيف
عنها، وتوفير الوقت اللازم للآخرة، ويحسن إلى أخيه بإغنائه وتوفيرف فرصة عمل له.
4-
قوة الصحة والبدن:
فالجسم مركوب الروح، فالعناية به
عناية بالروح، والجسد العليل لا يقوم بمهام التعبد ولا مهام الاستخلاف، وفي
الحديث: وإن لبدنك عليك حقا[10].
فلابد للمؤمن أن يحرص على تمتيع نفسه بما يلزم من الأكل والشرب والنوم والدواء
والرياضة، فإذا تتبع فضول الأكل والشراب والنوم والرياضة فقد يضيع عمره في العناية
بجسمه، ولن يجد وقتا يهتم فيه بالروح.
يا
خادم الجسم كم تشقى بخدمته.. أتعبت نفسك فيما فيه خسران
أقبل على
النفس واستكمل فضائلها..فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
ومن مظاهر الفضول في خدمة الجسم:
أ-
كثرة الأكل والعناية بالموائد، مما يرتب إرهاق الزوجة،
ومحاسبتها على أنواع الطعام، ودرجات الإتقان. ويجر إلى الإسراف الذي لا يطاق.
ب-
كثرة النوم والكسل الذي يمضي فيه اليوم صفرا من الفوائد
والمكاسب.
ت-
إشغال بعض الشباب أنفسهم بتعلم سائر أنواع الرياضة، مع
أن له وظائف أخرى ومهام أخرى يجب أن يشتغل بها. وهذا لا يكون عيبا لمن حرفته
الرياضة، ويسعى أن يكون معلما بارعا في الرياضة. ولكن عامتنا ينبغي أن نأخذ من
الرياضة بالقدر الذي يصحح أجسامنا، ولا يضيع واجباتنا الأخرى على مستوى التعبد
والاستخلاف.
وأخيرا فإن العمر أقصر من الواجبات
فضلا عن المندوبات، فضلا عن المباحات. أما إذا شغلته بالحرام، فقد أعدمته كلية ولن
تجد منه رقعة لفعل الخير. لأن بركة العمر بما تفعله فيه. والله يتولانا بفضله
وإحسانه. والحمد لله رب العالمين.
مراكش في:
26/01/2018م.
[1] سورة
المائدة الآية 101- 102.
[2] رواه
الترمذي وحسنه.
[3] سورة
الذاريات الآية 56.
[4] سورة هود الآية 61.
[5] سورة
التغابن الآية16.
[6] سورة
المؤمنون الآية: 115.
[7] متفق عليه.
[8] صحيح
البخاري.
[9] رواه
أحمد وغيره.






0 التعليقات:
إرسال تعليق